سيد محمد طنطاوي

411

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأراد عبد اللَّه بن أبي بالأعز ، نفسه ، وشيعته من المنافقين ، وأراد بالأذل ، الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن معه من المهاجرين وغيرهم من المؤمنين الصادقين . والمراد بالرجوع في قوله * ( لَئِنْ رَجَعْنا ) * الرجوع إلى المدينة بعد انتهاء غزوة بنى المصطلق . أي : يقول هؤلاء المنافقون - على سبيل التبجح وسوء الأدب - لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة ، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة ، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل ، بل تصبح خالية الوجه لنا . وقد رد اللَّه - تعالى - على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال : * ( ولِلَّه الْعِزَّةُ ولِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِينَ ، ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * . أي : لقد كذب المنافقون فيما قالوه ، فإن للَّه - تعالى - وحده العزة المطلقة والقوة التي لا تقهر ، وهي - أيضا - لمن أفاضها عليه من رسله ومن المؤمنين الصادقين ، وهي بعيدة كل البعد عن أولئك المنافقين . وقال - سبحانه - : * ( ولِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِينَ ) * بإعادة حرف الجر ، لتأكيد أمر هذه العزة ، وأنها متمكنة منهم لأنها مستمدة من إيمانهم باللَّه - تعالى - وحده . وقوله - تعالى - : * ( ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * استدراك قصد به تجهيل هؤلاء المنافقين ، أي : ليست العزة إلا للَّه - تعالى - ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ، ولا يعرفونه لاستيلاء الجهل والغباء عليهم ، لأنهم لو كانت لهم عقول تعقل ، لعلموا أن العزة لدعوة الحق ، بدليل انتشارها في الآفاق يوما بعد يوم ، وانتصار أصحابها على أعدائهم حينا بعد حين ، وازدياد سلطانهم وقتا بعد وقت . قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - : * ( ولِلَّه الْعِزَّةُ . . . ) * أي : الغلبة والقوة للَّه - تعالى - ، ولمن أعزه اللَّه وأيده من رسوله ، ومن المؤمنين ، وهم الأخصاء بذلك ، كما أن المذلة والهوان ، للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين . وعن الحسن بن علي - رضى اللَّه عنهما - أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيها ، قال : ليس بتية ، ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية « 1 » . وقال الإمام الرازي : العزة غير الكبر ، ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه - لغير اللَّه - فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه ، وإكرامها عن أن يضعها في غير موضعها اللائق بها ، كما

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 543 .